لماذا اختار المغاربة رواية ورش عن نافع؟

نشر بتاريخ : September 29, 2014, 12:58 pm - عدد المشاهدات : 10813

 



 

                                                        لماذا اختار المغاربة رواية ورش عن نافع؟

 

 

 

تعد رواية ورش إحدى الروايات التي تواتر بها النقل في بلاد المغرب جيلا بعد جيل، وقد اشتهرت هذه الرواية، واعتنى بها المغاربة عناية فائقة، وذلك موازاة مع المذهب المالكي الذي اختاروه مذهبا فقهيا لهم، ولم تقو على مزاحمتها أيّة رواية أخرى أو قراءة، وذلك على الرغم من انفتاح البلاد على سائر القراءات والروايات..

وبهذا المفهوم، أضحت رواية ورش عن نافع شعارا للمدرسة القرآنية المغربية، والقطب الذي تستمد منه مختلف العلوم الأصلية والفرعية، والتلاوة الرسمية الوحيدة التي يستند إليها في التعليم والقراءة والدراسة، وغير ذلك… فنافع القارئ الذي أخذ عنه ورش روايته، كان شيخا للإمام مالك رحمهم الله جميعا.

فاختيار المغاربة تلاوة كتاب الله تعالى برواية ورش عن نافع من طريق الأزرق منذ دخولها إلى الأقطار المغربية على أيدي الرواد الأولين إلى يومنا هذا، كاختيارهم لمذهب الإمام مالك الفقهي، وكأنهم باختيارهم هذا قد جمعوا بين اتباع عالم المدينة المنورة وفقيهها، ومقرئها وإمامها نافع، مقرئ المسجد النبوي.

وقد قال مالك عن قراءة نافع: “قراءة أهل المدينة سنة، قيل له: قراءة نافع؟ قال نعم”. وحينما سئل عن حكم الجهر بالبسملة أثناء الصلاة قال: “سلوا نافعا فكل علم يسأل عنه أهله، ونافع إمام الناس في القراءة”.

فصارت رواية ورش عن نافع تبعا للمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية، والتصوف السنّي رمزا لوحدة المغرب المذهبية، وثوابت الأمة المغربية.

 

استكمالا لحواراتنا المباشرة حول مقومات الهوية الدينية للمغرب، والتي شملت المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية، والتربية الصوفية، استضاف موقع الرابطة المحمدية للعلماء الدكتور عبد الهادي حميتو، عضو المكتب التنفيذي للرابطة المحمدية للعلماء، للحديث عن دواعي اختيار المغاربة رواية ورش عن نافع، و دوافع تشبتهم بها.

 

سؤال

لسلام عليكم ورحمة الله

أستاذنا الكريم سؤالي كالتالي:

لماذا تنتشر رواية ورش في المغرب خلافا عن باقي الدول المغاربية؟


جواب

بسم الله الرحمن الرحيم

شكرا على سؤالكم، هذا السؤال يقتضي المعرفة بشخص الإمام نافع، وهو شيخ القراءة عالم المدينة وإمامها في زمن التابعين، والمعرفة أيضا بورش، وهو عثمان بن سعيد المصري تلميذ إمام نافع، ثم المعرفة بمدى تعلق المغاربة برواية عن أهل المدينة باعتبارها دار الهجرة النبوية ومتنزلة الوحي وموضع مدرسة الإمام مالك؛ إمام دار الهجرة في الفقه والحديث. فتعلق المغاربة بكل ما هو مدني ينبع من إيمانهم وعمق محبتهم بصاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم باعتبار المدينة مكان هجرته، ومسرح دعوته في حياته وموضع دفنه بعد مماته لاسيما وأن زيارة المدينة مرتبطة بمناسك الحج، فالمغاربة وهم يرحلون رحلة العمر من أجل أداء فريضة الإسلام بالحج إلى بيت الله الحرام، لا يرون هذه الرحلة تكتمل إلا برحلة ثانية إلى المدينة النبوية لزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده والتملي مشاهد الحرم النبوي، والوقوف على المشاهد النورانية هنالك وهي نفس الدار التي عرفت مدرسة الإمام مالك بن أنس، إمام أهل المدينة في الفقه ومدرسة الإمام نافع إمام أهل الميدنة في القراءة وأحد القراء السبعة. ويمكن حصر أهم عوامل اختيار المغاربة لرواية ورش في ما يلي:

1. أن رواية ورش هي أوثق روايات قراءة نافع عند المغاربة.

2. قرب الجوار؛ لأنها هي التي تلي بلادهم انطلاقا من مصر.

3. أن ورشا له أصل مغربي قيرواني انتقل والده من إفريقية إلى مصر.

4. رغبة المغاربة في الاستقلال في قرائتهم ومذهبهم، فاعتمدوا في الفقه مذهب مالك وفي القراءة قراءة نافع، واعتمدوا فيها رواية ورش على أساس مذهبي أيضا، لاسيما وأن أكثر رواة هذه الرواية كانوا من الفقهاء المالكية، وقد انتشرت رواية عبد الصمد العتقي في الأندلس قبل غيرها، لأنه ولد عبد الرحمان بن القاسم صاحب المدونة في مذهب الإمام مالك.

5. التقاء رواية ورش في أصولها مع مقتضيات مذهب مالك في اختيارته، و قد أشار الإمام ابن رشد الجد في مسائله إلى أن فقهاء قرطبة اختاروا رواية ورش لما فيها من ترك النبر وهو الهمز الساكن في مثل يامرون ويومنون، قال وتأولوا ذلك في كراهية إمام مالك للنبر في الصلاة.

 

سؤال

لمن أراد أن يضبط رواية ورش عن نافع ما هو أفضل مقرئ تنصحون بالاستماع إليه؟


جواب

لا نستطيع أن نقول عن قارئ مغربي أفضل عن غيره ولا أن ننصح بالاقتصار عليه لمن أراد أن يضبط رواية ورش عن نافع، فقراؤنا والحمد لله جميعا على مستوى جيد يمكن اتخاذهم فيه قدوة ونبراسا للمتعلمين والمبتدئين والشأن ليس في التقليد ولكن في تعلم القواعد والعمل على أدائها بحضرة الشيوخ وأهل الفن، وأما محكاة الأصوات وتقليد المشايخ فإنما يكون عند المحاولات الأولى للمبتدئين ثم يستقل القارئ بطريقته. وننصح لمن شاء الدقة المتناهية في ضبط رواية ورش عن نافع بالاستماع إلى أشرطة الشيخ محمود الخليل الحصري رحمه الله، فإنه الغاية في ذلك وإن كانت طريقته هي تكاد تكون من قبيل السهل الممتنع، ولكن ما لا يأخذ كله لا يترك جله.

 

سؤال

بسم الله الرحمان الرحيم، تحية طيبة وبعد،

نرجو من فضيلة الدكتور عبد الهادي حميتو أن يوضح لنا وبشكل مبسط حكم الجهر بالبسملة أثناء الصلاة،

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزاكم الله خيرا

 

جواب

لجهر بالبسملة على المشهور المذهب مالك مكروه في الفريضة جائز في النافلة، ومستند الإمام مالك في ذلك هو العمل في المسجد النبوي، إذ لم يدرك أحدا من فقهاء المدينة يبسمل في الصلاة في هذا المسجد، وقد تعلق المغاربة بهذا المذهب فاحتاطوا للجمع بين مقتضى المذهب الفقهي ومقتضى الرواية القرآنية، وأوجبوا اتباع الرواية في القراءة خارج الصلاة، وأوجبوا اتباع المذهب في ترك البسملة داخل الصلاة، واحتاطوا للأمرين جميعا فقال الإمام أبو عمرو الداني في الأرجوزة المنبهة:

والأخذ بالتسمية المختار *** إذ كثرت في ذلك الأخبار

أقول في الأداء أو في العرض *** ولا أقول في صلاة الفرض

وقال أبو الحسن الحصري في قصيدته في قراءة نافع:

وإن كنت في غير الفريضة قارئا *** فبسمل لقالون لدى السور الزهر

مدى الدهر إلا في ابتداء براءة *** لتنزيلها بالسيف من منزل الذكر

 

وقد وقع بين الإمام نافع والإمام مالك نزاع في الجهر بالبسملة فكان نافع يقول السنة الجهر بها، وكان مالك لا يرى ذلك، وقد بلغه أن أحد تلاميذه من فقهاء المدينة وهو محمد بن إسحاق المسيب لما رجع من العراق صلى بالناس بالمدينة صلاة العشاء فبسملة في فاتحة الكتاب، فأرسل إليه ينكر عليه ذلك، ويعيب عليه أخذه عن أهل العراق، فرد عليه يقول إنك طالما كنت تنهانا عن الرواية عن أهل العراق وأنت إنما جئتنا في ترك البسملة بحديث عن حميد الطويل وهو عراقي عن أنس بن مالك وهو ممن سكن العراق، فإما تأخذ عن أهل العراق ونأخذ وإما تترك ونترك، فلا تبقى لك حجة علينا. وقد سمعناك كثيرا ما تقول لنا سالوا عن كل علم أهله، وقد سألت نافعا وهو إمام مالك في القراءة عن البسملة فقال لي السنة الجهر بها، وأخبرني ابن شهاب الزهري قال مضت السنة بالبسملة في فاتحة الكتاب. وقد جاء عن مالك نفسه الإذن بالبسملة في الفريضة فروى ذلك عنه تلميذه ابن نافع الزبيري ذكر ذلك الإمام القاضي ابن العربي في كتاب أحكام القرآن.

 

سؤال

هناك قولة منسوبة إلى إمامنا مالك رحمه الله تتردد على ألسنة كثير من الناس وربما البعض يبرر بها اختيار المغاربة رواية ورش عن نافع، أو إلزام غيره بها وهذه القول مفادها أن الإمام مالك رحمه الله قال: قراءة نافع سنة؟ مع أن رواية قالون هي أيضالا عن نافع؟ فما مدى صحة هذه القولة؟ وهل يعني هذا أن من قرأ بحفص عن عاصم أو ابن كثير أوغيرهما قد خالف السنة؟ ولكم جزيل الشكر.

 

جواب

مما ذكره شراح أرجوزة ابن بري التازي رحمه الله في ترجيح قراءة نافع عن غيرها؛ قول إمام مالك رحمه الله: “قراءة نافع سنة”، أو قال “هي السنة” فظن بعض الناس أن نافعا أراد بذلك تخصيصها بهذا الوصف وإخراج غيرها عنه، وليس الأمر كذلك، وإنما مراده كما ذكره الشراح؛ أن قراءة نافع لها من المزية أنها امتداد لما كان عليه الأمر في المدينة المنورة، لأنها قراءة مشايخ المدينة التي اجتمعوا عليها. فقوله إنها السنة كأنه يقول إنها القراءة العملية المأثورة عن مشيخة المسجد النبوي كما تمثلها الإمام نافع ابن أبي نعيم، وقد ذكر الإمام المكي بن أبي طالب القيرواني في كتاب الإبانة أن معنى قول مالك “قراءة نافع سنة” أنه أراد سنة أهل المدينة، كما أنها قد تمثلت فيها خصائص قلما اجتمعت في غيرها، ففيها الهمز وتركه، والإظهار والإدغام والتفخيم والترقيق والبسملة وتركها إلى غير ذلك. وقد روى هذا الخبر في كون قراءة نافع سنة، الإمام ابن وهب المصري كما روي عن الليث بن سعد، ورواه عبد بن حميد في سننه عن الإمام مالك، وقال صاحب تحفة المنافع في بيان وجه اختيار المغاربة لقراءة نافع:

إذ هي سنة وأخذ مالك ***بحرف نافع فهل من سالك

وقال ابن بري:

وللذي ورد فيه أنه *** دون المقارئ سواه سنة

قال شراحه:

الضمير فيه في قوله (أنه) يعود على الورود المفهوم من قوله ورد، لا على السنة، لأن المقارئ السبعة والعشرة كلها من السنة فلا وجه للمفاضلة بينها وقبول بعضها دون بعض.

 

سؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأستاذ الشيخ المقرئ سيدي عبد الهادي حميتو متعكم الله بالصحة والعافية

سؤالي كالآتي: لا يخفى على من له اهتمام ما لرواية ورش من حظوة وعناية لدى المغاربة، لكن يخفى علينا ما خلفه علماؤنا من مؤلفات سواء مطبوعة أو مخطوطة بخصوص هذه الرواية؟

 

جواب

رواية ورش هي الرواية المفضلة عند المغاربة منذ أول المائة الثالثة من الهجرة، ولم تستطع رواية أخرى أن تزاحمها، ولعل أكثر ما قواها وشد أزرها هو ظهور المؤلفات المبكرة في تدوينها وضبط قواعدها، يقول الإمام الذهبي في ترجمة محمد ابن وضاح القرطبي المتوفى سنة 286 هـ: “… ومن وقته اعتمد المغاربة رواية ورش وصارت عنده مدونة” يعني أنه أدخلها في نسخة مسجلة موصوفة القواعد، ولذلك نجد الإمام الحصري القيرواني المتوفى سنة 468 ينكر على من يريد تجاوز قراءة ورش إلى غيرها فيقول في قصيدته الرائية في قراءة نافع:

ولم أرهم يدرون ورشا قراءة *** فكيف لهم أن يقرؤوا لأبي عمرو

أما المؤلفات فيها فلا حصر لها، وأهمها مؤلفات الحافظ أبي عمرو الداني:

- إيجاز البيان في قراءة نافع بن عبد الرحمن (مخطوط).

- التوضيح والبيان في قراءة نافع بن عبد الرحمن (مفقود).

- التعريف في اختلاف الرواة عن نافع (مطبوع).

ومن أهم ما بلغنا في روايتي ورش وقالون القصيدة الحصرية لأبي الحسن علي بن عبد الغني الحصري القيروانين، وتقع في 309 بيتا وأولها قوله :

إذا قلت أبياتا حسانا من الشعر *** فلا قلتها في وصف وصل ولا هجر

 

ويقول فيها:

أعلم في شعري قراءة نافع *** رواية ورش ثم قالون في الإثر

 

وأهم مؤلفات المغاربة في رواية ورش أرجوزة “الدرر اللوامع” للإمام أبي الحسن بن بري التازي، و قد اشتهرت في المشرق والمغرب وكثرت شروحها حتى تجاوزت 60 شرحا، وأهمها شرح الإمامين: المنتوري وابن القاضي ومسعود جموع الفاسي.

وأهم ما هو مخطوط منها حتى الآن؛ كتاب “الزهر اليانع في قراءة الإمام نافع” لأبي عبد الله محمد ابن ابراهيم الصفار المراكشي التينملي المتوفى سنة 762هـ.

وأهم قصائده في الطرق العشر عن نافع قصيدته تحفة الأليف في نظم التعريف.

 

سؤال

هناك بعض الشباب هداهم الله يفضلون قراءة حفص عن عاصم ربما لسهولتها لكنهم يتقدمون للصلاة بالناس فيظن بعض الناس الذين يحفظون شيئا من القرآن على الطريقة التقليدية لا يفهمون اختلاف الروايات فيظنون أن هؤلاء الشباب وقعوا في تحريف القرآن فتقوم البلبلة بذلك فماهي نصيحتكم لهؤلاء الشباب؟، وهل يجوز لمثل هذا الشاب أن يتقدم للصلاة إذا لم يكن من يحسن القراءة غيره خوفا من الفتنة؟